محمد بن جرير الطبري

3

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فهو لي قبلة ، وأناله قبلة ، إذا قابل كل واحد منهما بوجهه وجه صاحبه . قال : فتأويل الكلام إذن إذ كان معناه سيقول السفهاء من الناس لكم أيها المؤمنون بالله ورسوله ، إذا حولتم وجوهكم عن قبلة اليهود التي كانت لكم قبلة قبل أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شطر المسجد الحرام : أي شيء حول وجوه هؤلاء ، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم ؟ فأعلم الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم ما اليهود والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشام إلى المسجد الحرام ، وعلمه ما ينبغي أن يكون من رده عليهم من الجواب ، فقال له : إذا قالوا ذلك لك يا محمد ، فقل لهم لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وكان سبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس مدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى ثم أراد الله تعالى صرف قبلة نبية صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام ، فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهه ووجه أصحابه شطره ، وما الذي ينبغي أن يكون من رده عليهم من الجواب . ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس وما كان سبب صلاته نحوه ؛ وما الذي دعا اليهود والمنافقين إلى قيل ما قالوا عند تحويل الله قبلة المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة . اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة . فقال بعضهم بما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قالا جميعا : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، قال : أخبرني سعيد بن جبير أو عكرمة شك محمد عن ابن عباس قال : لما صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة ، وصرفت في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس ، وقردم بن عمرو ، وكعب بن الأَشرف ، ونافع بن أبي نافع هكذا قال ابن حميد ، وقال أبو كريب : ورافع بن أبي رافع والحجاج بن عمرو حليف كعب بن الأَشرف والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، فقالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون فتنته عن دينه . فأنزل الله فيهم : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها إلى قوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال البراء : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا ، وكان يشتهي أن يصرف إلى الكعبة . قال : فبينا نحن نصلي ذات يوم ، فمر بنا مار فقال : ألا هل علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرف إلى الكعبة ؟ قال : وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا ، وصلينا ركعتين إلى هاهنا قال أبو كريب : فقيل له : فيه أبو إسحاق ؟ فسكت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن آدم ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، المدينة سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، قال : ثنا أبو إسحاق عن البراء بن عازب قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا شك سفيان ثم صرفنا إلى الكعبة . حدثنا المثنى ، قال : حدثنا النفيلي ، قال : ثنا زهير قال : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو أخواله النبي صلى الله عليه وسلم من الأَنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى صلاة العصر ومعه قوم . فخرج رجل ممن صلى معه النبي صلى الله عليه وسلم ، فمر على أهل المسجد وهم ركوع ، فقال : أشهد لقد صليت مع رسول الله قبل مكة . فداروا كما هم قبل البيت ، وكان يعجبه أن يحول قبل البيت . وكان اليهود أعجبهم أن رسول الله يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . حدثني عمران بن موسى ، قال : ثنا عبد الوارث ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد أن قدم المدينة